أحمد مصطفى المراغي

115

تفسير المراغي

( فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ) أي فقابلاه وقولا له : إن اللّه أرسلنا إليك - وقد أمرا بتبليغه ذلك من أول وهلة ، ليعرف لهما حقهما ، ويفكر فيما يقابلهما به من الرد على ما ادّعيا . وفي التعبير بقولهما ( ربك ) إيماء إلى أن ما ادعيته من الربوبية لنفسك ، مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، ولا أن ينظر إليه نظرة الاعتبار والصدق . ( فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ ) أي فأطلق بني إسرائيل من الأسر ، ولا تعذبهم بتسخيرك إياهم في شاقّ الأعمال كالحفر والبناء ونقل الأحجار ، وقد كان المصريون يستخدمونهم هم ونساء هم في تلك الأعمال . وإنما بدأ بهذا الطلب دون دعوة هذا الطاغية وقومه إلى الإيمان ، لأنه أخف وأسهل من ذلك ، لما فيه من تبديل الاعتقاد وهو عسر شاقّ على النفس . ثم ذكرا ما يوجب امتثال أمرهما ، ويؤكد دعوى رسالتهما بقولهما . ( قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ ) أي قد جئناك بالحجة البالغة ، والبرهان الساطع ، على أنه أرسلنا إليك ، وإن لم تصدقنا فيما نقول أريناكها . ( وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ) أي والسلامة والأمن من العذاب في الدنيا والآخرة على من اتبع رسل ربه ، واهتدى بآياته التي ترشد إلى الحق ، وتنيل البغية ، وتبعد عن الغى والضلال . قال الزّجّاج : أي من اتبع الهدى سلّم من سخط اللّه وعذابه ، وليس بتحية ، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب اه . ويمثل هذا كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هرقل ملك الروم قال : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * . من محمد رسول اللّه إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، فاسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين . وفي هذا ترغيب في التصديق على أتم وجوهه ، وتنفير من مخالفته ، وصد عنها على أقصى غاية كما لا يخفى .